في عام 2003، دخلت غريس ديب إلى سوق الأغنية العربية عبر دويتو "وإن كان عليا" مع عاصي الحلاني، الذي لم تغنِّ فيه كلمة عربية واحدة. يومها، لم يتعامل معها الجمهور كصوت جديد داخل المشهد، بل كحضور غامض، أقرب إلى نجمة عالمية مستضافة في أغنية عربية، أكثر من كونها مغنية لبنانية تدخل السوق.
ورغم أن بدايتها كانت مع واحد من أبرز نجوم الصف الأول في تلك المرحلة، إلا أن اسم غريس ديب لم ينتشر إلا بعد أن غنت وحدها، لتصبح نجمة مباشرةً مع إصدار ألبومها الأول "غنالي العالم كله" الذي أنتجت روتانا. ففي هذا الألبوم قدّمت غريس ديب شيئًا مختلفًا، لا على مستوى الأغنية بحد ذاتها، بل على مستوى الإحساس الذي تولّده، وبأسلوبها الخاص بالأداء الذي أربك أذن المستمع العربي.
حالة مختلفة… لا تشبه سياقها
حين ظهرت غريس ديب في بداية الألفية، لم تكن مجرد صوت جديد داخل البوب اللبناني، بل كانت تحمل اقتراحًا مختلفًا لشكل الأداء نفسه، اقتراحًا لا يتعلّق بما يُغنّى بقدر ما يتعلّق بكيفية قوله. لم يكن الاختلاف في اللغة، فهي تغني بالعربية بوضوح، بل في الطريقة التي تُقال بها هذه اللغة.
منذ بداياتها، قدّمت غريس ديب حالة شبه معزولة داخل مشهد البوب العربي؛ صوتٌ واضح المخارج، عربيّ النطق بلا التباس، لكنه يعمل وفق منطق أدائي لا ينتمي إلى تقاليد الغناء العربي. المفارقة لا تأتي من اللغة، بل من طريقة قولها: الجملة عندها تُبنى على أسلوب صياغة لغة غربية، مقسّمة بإحكام على الإيقاع، أقرب إلى البوب الغربي وأبعد عن امتداد الطرب العربي. تختفي العُرَب المقامية لصالح جمل نظيفة ومحدّدة، ويُستبدل اللعب الحر داخل المقام بحركة محسوبة داخل سلّم مُبسّط، ما يمنح الأداء حيادًا نغميًا يبتعد عن ثقل المقامات الشرقية. حتى الزخرفة، حين تظهر، لا تأتي كامتداد للحن، بل كعنصر إيقاعي تقني مستوحى من الآر اند بي والبوب المعاصر.
بهذا المعنى، لا تبدو غريس ديب وكأنها تغنّي عربيًا بأسلوب غربي بقدر ما تُسكن العربية داخل أداءٍ تشكّل خارجها أصلًا؛ أداء يتقدّم على اللغة ويعيد تشكيلها وفق منطقه الخاص. لذلك يتولّد ذلك الإحساس الملتبس لدى المستمع: الكلمات عربية بوضوح، لكن الذاكرة السمعية التي يستدعيها الصوت تنتمي إلى مكان آخر، حيث تُقال الجملة العربية وكأنها تفكّر بإيقاعٍ ومرجعياتٍ غير عربية.
من أين جاءت هذه الحالة؟
لم يكن هذا الأسلوب وليد تجربة داخل الأغنية العربية نفسها، بل نتيجة مسار مختلف. غريس ديب بدأت بالغناء بالإنكليزية، ضمن فرقة مدرسية، قبل أن تدخل المجال العربي. هذا التفصيل، الذي يبدو عابرًا، يفسّر الكثير: الأداء عندها لم يتكوّن داخل اللغة العربية، بل سبقها.
لاحقًا، ومع أعمال مثل "Comme Toi" ونسخها المتعددة باللغات، ومع حضورها المتكرر ضمن أعمال مزدوجة اللغة، بدا واضحًا أن مشروعها لا يقوم على تعريب البوب الغربي، بل على تثبيت أداء عابر للغات، يمكنه أن يتحرك بين العربية والإنكليزية والفرنسية من دون أن يغيّر منطقه.
في تلك اللحظة، كان هذا الطرح جديدًا نسبيًا في السوق العربي، حيث كان المزج بين الموسيقى العربية والغربية يتم غالبًا على مستوى اللحن أو التوزيع، لا على مستوى الأداء نفسه. وهنا تحديدًا، تميّزت غريس ديب، فهي لم تغيّر شكل الأغنية فقط، بل طريقة غنائها.
ذروة قصيرة وأثر واضح:
بين 2004 و2008، بدت غريس ديب وكأنها تثبّت مكانها داخل البوب العربي، مع ثلاثة ألبومات من إنتاج روتانا، حققت بها حضورًا وانتشارًا، وأغانٍ لاقت رواجًا على مستوى الصورة والصوت. في تلك الفترة، كان هذا النوع من الأداء لا يزال يملك عنصر المفاجأة؛ كان مختلفًا بما يكفي ليُلاحظ.
لكن هذه الذروة بقيت قصيرة. ليس لأن التجربة فشلت، بل لأن السياق تغيّر بسرعة أكبر منها، وربما لأنها لم تعرف كيف تدير مشروعها بعد أن استقلت عن روتانا.
المفارقة أن ما ميّز غريس ديب في بداياتها، هو نفسه ما أفقدها فرادتها لاحقًا. أسلوب الأداء الذي بدا خاصًا بها، انتشر تدريجيًا، ولم يعد غريبًا داخل الأغنية العربية.
لاحقًا، ظهرت تجارب دفعت هذا الاتجاه إلى أماكن أبعد. مع فرقة مشروع ليلى، لم يعد الأداء الغربي مجرد أسلوب غنائي استعراضي، بل صار جزءًا من مشروع موسيقي متكامل، حيث اقترن صوت حامد سنو برؤية فنية مختلفة، أعادت تعريف شكل الأغنية البديلة عربيًا.
وفي السنوات الأخيرة، مع فنانين ثنائيي الهوية مثل إليانا وسانت ليفانت وغيرهم، لم يعد هذا الأداء غريبًا أصلًا، بل أصبح جزءًا من التيار السائد، مدعومًا بحضور بصري قوي وسياق إنتاجي عالمي.
أين هي الآن؟
منذ انفصالها عن روتانا عام 2008، بدأ حضور غريس ديب يتراجع تدريجيًا داخل المشهد الموسيقي. في تلك المرحلة، أعلنت عن مشروع ألبوم يضم أغنيات بثماني لغات، في خطوة بدت امتدادًا طبيعيًا لهويتها العابرة للغات، لكن المشروع لم يرَ النور. اكتفت لاحقًا بإصدار عدد من الأغاني المنفردة، وصوّرت لها فيديو كليبات، إلا أن انتشار هذه الأعمال بقي محدودًا، ولم تستعد عبرها موقعها السابق.
في المقابل، أخذ حضورها مسارًا مختلفًا. برزت أكثر في النشاطات الاجتماعية والإنسانية، مع تعيينها سفيرة لعدد من المؤسسات المعنية بقضايا متعددة، من رعاية كبار السن إلى التوعية حول الإيدز وسرطان الثدي. ومع تراجع حضورها الجماهيري، بدا أن حضورًا من نوع آخر يتشكل.. أكثر هدوءًا، وأقرب إلى النخبوية.
ضمن هذا السياق، شاركت في أعمال ذات طابع عالمي، من بينها تقديمها أغنية بالفرنسية ضمن فيلم النبي، المستوحى من كتاب النبي لـ جبران خليل جبران، والذي قُدّم عام 2014 بمشاركة سلمى حايك. لكن هذا الحضور بقي متقطعًا، غير قادر على إعادة وصل مسارها الفني.
لاحقًا، شكّلت وفاة والدتها نقطة فاصلة، دفعتها للابتعاد عن الوسط الفني بشكل شبه كامل. ورغم محاولات متفرقة للعودة في السنوات التالية، إلا أن هذه العودة بقيت غير مكتملة، أقرب إلى ظهور عابر منها إلى استئناف فعلي لمسيرتها.
ولكن أثر غريس ديب باقٍ عبر ما كشفته مبكرًا داخل الأغنية العربية. فقد أظهرت أن التحوّل لا يحدث فقط عبر إدخال إيقاعات أو استيراد ألحان، بل يمكن أن يبدأ من داخل الصوت نفسه، من طريقة بناء الجملة وأدائها.
ربما لم تستطع أن تحافظ على موقعها، لكن الحالة التي قدّمتها لم تختفِ؛ بل أعادت تشكيل طريقة الغناء في البوب العربي، حتى صارت جزءًا من هويته اليوم.






